أحمد فارس الشدياق
216
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
لازب عند طائفة من جنسهم يقال لهم : كويكرس ، وسيأتي ذكرهم . فأمّا عند الفرنسيين فاستعماله إنّما هو في مخاطبة الإدلال كأن يكلّم المحب محبوبته ، أو الوالد ولده . وتحيّة هؤلاء ، بعد صباح الخير ، كيف أنتم تحملون أنفسكم ؟ وكلتا التحيّتين لا معنى لهما كما قال فلتير . ومتى خاطبت أحدا من فلاحي الإنكليز وهو مصغ إليك أبدى همهمة عند كلّ جملة ، أعني قوله : هم . فكأنّها عندهم حرف بمعنى نعم ، وعند كل فقرة تقضي بالاعتبار ، يقول : اه . وإذا هم خاطبوك نفضوا رؤوسهم ، ولا يكادون يشيرون بالأيدي كما هو دأب أهل مالطة وإيطاليا ، وغيرهم ، وليس للهجتهم مطلقا نغمة مطربة سواء تكلّم بها جاهل ، أو عالم ، أو ولد أو امرأة ، إذ ليس في كلامهم مدّ ولا حركات طويلة . وأصوات الرجال من حناجرهم بخلاف اللغة الفرنساوية ، فإن فيها غنّة تستحب من الأولاد والجواري جدّا ، وربّما طرب لها من ليس يعرفها . ومع أن لغة الإنكليز من اللغات المستحدثة ولم تشهر إلا وأعقبها التمدن ، وطبع الكتب ؛ فلكلّ أهل صقع عندهم كلام ولهجة خاصّان بهم فلا يكاد أحدهم يفهم من صاحبه شيئا بمنزلة ما عند أهل الشام والمغاربة من الفرق . ومن عادة النساء إذا كلّمن أحدا من الخاصّة أن ينحنين له عند كلّ سؤال وجواب ، وعادة الغلمان أن يضعوا أيديهم على رؤوسهم ، وكذا هي عادة الخادم مع مخدومه عند كلّ سؤال وجواب ، حتى القسيسون أيضا يرتاحون لهذه الدغدغة ، وإذا خاطبوا أحدا بكلام توبيخ وغيظ قالوا له سر ، وهي بمعنى سيّد ، حتى إنهم يقولونها عند طردهم كلبا ونحوه ، فيقولون مثلا : اخسأ يا سيّد ، وقد يستعملونها أيضا لتعظيم المخاطب وإجلاله . ومن الغريب في هذه اللفظة أنّها بالفارسية بمعنى رئيس ، ووافقها أيضا في العربية لفظة السريّ ! فلا أدري أيّ اللغات هي الأصل لها . والرجل يقول عن زوجته : معلمتي والمرأة تقول عنه : معلمي ، وإذا خاطب زوجته أحد من الخاصّة بلفظة مدام كان ذلك إشارة إلى تنافرهما ، فخطاب الرضى إنّما هو أن يقول لها : يا محبتي أو عزيزتي . وربّما قالوا : يا قلبي ، ولا يكادون يفهمون يا روحي ويا عيني . ويكثرون من ذكر الشيطان في حالتي التعجّب والاستفهام ، فيقولون أين الشيطان كنت ، ويضيفون لفظة مان بمعنى الرجل إلى كلّ شيء ، فيقولون